مريم الجميلة...
كلمات من عالمي...تفسر حالي وأحلامي...
ديكتاتورية جدتي...

جدتي كانت ترعبني،خاصة إذا أمرتني ولم أنفذ لها أمرا...كنت أقف أمامها كفرخ دجاجة مبتل،فأنظر الى تلك الخطوط الحازمة المرسومة على جبينها...خيوط عبوس لاترتخي أبدا...وعندما تتشابك تلك الخطوط أكثرتنقطع أنفاسي ويصفر وجهي وأحاول الهرب ولكن أتسمر في مكاني رعبا...كانت لها قوة جامحة في إعطاء الأوامر وانتظار التنفيذ بأقصى سرعة ممكنة...حتى الذباب كان يهابها فلا ينزل على رأسها أو أنفها ولا يقترب من مكان توجد هي فيه...هي الآمر الناهي في البيت الكبير...هي الملكة والحاكمة والقاضية...تجلس منذ الصباح الباكر على زربية الصلاة والسبحة في يدها اليمنى،وتضع أمامها عصى تتوكأ عليها وتبدأ منذ صياح الديك في إعطاء الأوامر للصغير والكبير...صوتها كان يزلزل الأركان وينزل كالصاعقة على الأذان...الويل لمن لم يسمع والويل لمن سمع ولم ينفذ...أجلس مرات في ركن غير بعيد عنها وأتابع حركاتها وسكناتها...شفتاها الغليظتان لاتكفان عن التمتمة وكأنها تخاطب جني غير مرأي...عيناها تدوران ولاتكفان عن الدوران في كل الاتجاهات تبحث عن هفوات الآخرين...ترقب الذبابة وهي تحط فوق كأس الماء بجانبها،فتشير بعصاها في اتجاه الذبابة وأفهم أنه يتوجب علي حمل الكأس وتنظيفه من جديد ووضعه بجانبها في مكانه المعتاد...حركات عصاها كانت تفهم بسرعة من كل ساكنة البيت الكبير...خبطة بالعصا فوق الفراش تعني أن هناك غبارا ويجب القيام با للازم...ضرب العصا بالأرض تعني الجري فورا إليها لمساعدتها لدخول الحمام...شبك العصا بأصابعها تعني أن العاصفة قادمة وأنها غير سعيدة لشيئ ما...مد العصا بجانبها في سكون يعني أن الأجواء صافية وأنها راضية عن الكل...وعندما تغفو ترفع حالة الطوارئ حتى إشعار آخر...جدتي لم تكن تحب أبدا وشوشة زوجات أبنائها أو اجتماعاتهم المصغرة أو ضحكاتهم الهازئة،تعرف أن ذلك يحد من سلطاتها في البيت الكبير ويفقدها السيطرة عليهن...فكانت تتعامل مع كل واحدة بطريقة خاصة حسب ماتقتضيه الظروف والأحوال لتكريس الاستحواد والاستفراد بالقرار...فزوجة ابنها الأكبر كانت تعاملها بطريقة استعلائية،فتنظر إليها دائما من أعلى،ولاتترك فرصة تمر دون أن تحط من شأنها ببضع كلمات مستفزة للأعصاب...فهي تعتبرها غريبة عن الأسرة بسبب انتمائها الى عائلة بدوية من الجبل...هي تريد أن تحشرها دوما في الزاوية وتعطي بها المثال للأخريات حتى تعرفن حق  قدرهن ولاتتطاولن عليها...وبالمقابل فكانت زوجة ابنها الأوسط محط اهتمامها وذراعها اليمنى في التنفيذ وكاتمة أسرارها والموصلة لتعليماتها والمراقبة السرية لكل الحركات والسكنات في البيت الكبير...فهي كانت تلعب دور الجاسوسة...فهي عيناها وأذنها...ومقابل تلك الخدمات الجليلة ،كانت جدتي تغدق عليها الهدايا وتفتخر بها أمام الأخريات وتجلسها دائما بجانبها وتمسح على رأسها...أما زوجة ابنها الصغير فكانت تتلقى كل أنواع الإهانات المباشرة وغير المباشرة من طرف جدتي..فلا تمر دقيقة دون أن تناديها بصوتها المزمجرلأتفه الأسباب،وتوكل إليها بالمهمات الصعبة من كنس وغسل وطبخ ونفض الزرابي ومسح الغبار والذهاب الى السوق وعجن الخبز والذهاب به الى فرن الحي...كانت المسكينة لاتقدر على رفع عينيها أمام جدتي من شدة الخوف والرعب ولامناص لها من تنفيذ تعليماتها بسرعة ودقة متناهيتين وإلا فإن السب والشتم والإهانة ستكون من نصيبها طوال اليوم...كنت أرق لحال هذه المرأة المرعوبة وهي زوجة عمي...فتراني أسرع مرات لمساعدتها في بعض المهام لأنقص بعضا من تعاستها...ولن أنسى أبدا نظراتها الحزينة ودمعات تريد القفز من عينيها...أحس بها والنار تغلي بداخلها وكراهية شديدة تريد أن تفجرها في وجه جدتي الديكتاتورية...لكنها لاتقدر على ذلك وتتطلع بعينيها الى السماء...فهي مشلولة الفكروالحواس كلما وقفت أمام الديكتاتورة...أعترف بأني كنت لا أحب جدتي ولاأكن لها أي احترام...كنت أخاف منها ومن قسوتها...أعترف بأني كنت أتمنى الموت لها ووضعها في القبر بأقسى سرعة ممكنة للخلاص من صوتها الهادر...فهي لم تكن أبدا طيبة ولا مهادنة ولاحساسة،بل كانت سيئة السمعة في البيت الكبير...الكل يكرهها الكل يهادنها والكل ينافقها ويتملق اليها ليتجنب غضبها...أعترف بأنها غرست في الخوف والتردد والرهبة وأن ذلك سيترك أثره على حياتي ومعاملاتي مع أبنائي مستقبلا...وكإنسان بالغ فانا محتاج الى علاج يخلصني من آثار ديكتاتورية جدتي...أريد أن أكون سويا وطبيعيا حتى لاأنظريوما الى أعماقي فيطالعني شبح جدتي ووجه ديكتاتور...لا أريد أحدا أن ينعتني بالديكتاتور...الديكتاتورية شيئ مقرف،وجدتي كانت ديكتاتورية...فكانت جدة مقرفة

(17) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 22 يوليو, 2006 01:18 م , من قبل مُبعثرهـ
من المملكة العربية السعودية

/


\

يالهي ,!

تعجبتُ كثيراً هنا !

ما أصعب أن يكون أنسان مبغوض لـ هذه الدرجة من أقرباءه

ربنا يكون بالعون

اضيف في 22 يوليو, 2006 01:29 م , من قبل amine
من المغرب

هذه حقائق أكتبها اختي"مبعثرة"..ليست من نسج الخيال ...هنالك ديكتاتورية دولة وهنالك ديكتاتورية أشخاص...هذا واقع لامفر منه

اضيف في 22 يوليو, 2006 08:22 م , من قبل Ahlem
من الجزائر

c'est très beau amine et meryem, je vous félicite sur tout ça
je vais essayer de passer vous lire dès que je peux car je me marie dans 15 jours, à bientôt
Ahlem

اضيف في 22 يوليو, 2006 09:20 م , من قبل amine
من المغرب

merci chere "ahlem"...felecitation pour ton mariage et je te souhaite un grand bonheur et de la joie

اضيف في 23 يوليو, 2006 07:09 م , من قبل Touf
من الجزائر

الغالي أمين...
شكرا كثيرا على تواصل ودمت وفيا...
إن جدتك قوية وليست دكتاتورا... ابن لنفسك الشخصية الصحيحة واذكر من الجدة الحبيبة كل مليح وتناسا ما يضايقك.
توووووووووووووف.
http://ttouf.jeeran.com/blog

اضيف في 23 يوليو, 2006 07:52 م , من قبل amine
من المغرب

ok....mon cher touuuf...je vais faire

اضيف في 26 يوليو, 2006 12:11 م , من قبل بديعة
من المغرب

يالها من جدة...ديكتاتورية فعلا

اضيف في 26 يوليو, 2006 12:56 م , من قبل amine
من المغرب

هي كانت هكذا قوية في الشخصية وديكتاتورة

اضيف في 28 يوليو, 2006 02:05 ص , من قبل مذكرات انثى
من المغرب

السلام عليكم

قصة جدتك جميلة جدا من حيث الاسلوب في الكتابة و طريقة الحكي الجميلة

شكراا لكتابتك الجميلة

اضيف في 28 يوليو, 2006 11:04 ص , من قبل amine
من المغرب

شكرا لك اختي "مذكرات"...اتمنى ان لاتلاقي في حياتك ديكتاتورا او ديكتاتورة

اضيف في 13 اغسطس, 2006 05:05 ص , من قبل هبه
من مصر

فعلا..جباااااااااره..كان الله فى عون من عايشها..عموما..الله يرحمها

اضيف في 13 اغسطس, 2006 01:44 م , من قبل amine
من المغرب

جدتي كانت ظاهرة فريدة من نوعها اختي "هبه"..كنت أراها احيانا رئيسة دولة...يا لطيف.

اضيف في 13 اغسطس, 2006 01:44 م , من قبل amine
من المغرب

جدتي كانت ظاهرة فريدة من نوعها اختي "هبه"..كنت أراها احيانا رئيسة دولة...يا لطيف.

اضيف في 07 سبتمبر, 2006 10:42 ص , من قبل ساندرا

tu me rappelles ma grand mere là

اضيف في 07 سبتمبر, 2006 11:48 م , من قبل amine

toi aussi ta une grand mere comme la mienne...ça c bon

اضيف في 05 اكتوبر, 2006 08:12 م , من قبل joulia
من المغرب

sa ressemble un peu a ma grand mere a moi mm style et mm comportement

اضيف في 06 اكتوبر, 2006 10:28 ص , من قبل amine yaya
من المغرب

sa se ressemble parfois



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية